الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

73

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

حين علموا كذبهم وبهتانهم . وقد حكى نظير ذلك في قوله تعالى : إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الآيتين في سورة البقرة [ 166 ] . وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ . يجوز أن يكون عطفا على جملة يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ [ سبأ : 31 ] فتكون حالا . ويجوز أن تعطف على جملة إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ سبأ : 31 ] . وضمير الجمع عائد إلى جميع المذكورين قبل وهم الذين استضعفوا والذين استكبروا . والمعنى : أنهم كشف لهم عن العذاب المعدّ لهم ، وذلك عقب المحاورة التي جرت بينهم ، فعلموا أن ذلك الترامي الواقع بينهم لم يغن عن أحد من الفريقين شيئا ، فحينئذ أيقنوا بالخيبة وندموا على ما فات منهم في الحياة الدنيا وأسرّوا الندامة في أنفسهم ، وكأنهم أسرّوا الندامة استبقاء للطمع في صرف ذلك عنهم أو اتقاء للفضيحة بين أهل الموقف ، وقد أعلنوا بها من بعد كما في قوله تعالى : قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها في سورة الأنعام [ 31 ] ، وقوله : لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ في سورة الزمر [ 58 ] . وذكر الزمخشري وابن عطية : أن من المفسرين من فسّر أَسَرُّوا هنا بمعنى أظهروا ، وزعم أن ( أسرّ ) مشترك بين ضدين . فأما الزمخشري فسلمه ولم يتعقبه وقد فسر الزوزني الإسرار بالمعنيين في قول امرئ القيس : تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا * عليّ حراصا لو يسرّون مقتلي وأما ابن عطية فأنكره ، وقال : « ولم يثبت قط في اللغة أن ( أسرّ ) من الأضداد » . قلت : وفيه نظر . وقد عد هذه الكلمة في الأضداد كثير من أهل اللغة وأنشد أبو عبيدة قول الفرزدق : ولما رأى الحجاج جرّد سيفه * أسرّ الحروري الذي كان أضمرا وفي كتاب « الأضداد » لأبي الطيب الحلبي قال أبو حاتم : ولا أثق بقول أبي عبيدة في القرآن ولا بقول الفرزدق والفرزدق كثير التخليط في شعره . وذكر أبو الطيب عن التّوزي أن غير أبي عبيدة أنشد بيت الفرزدق والذي جرّ على تفسير « أسرّوا » بمعنى أظهروا هنا هو ما يقتضي إعلانهم بالندامة من قولهم : لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ [ سبأ : 31 ] . وفي